هذا الموضوع كثيرا ما خامر ذهني ورغبتُُ في الكتابة عنه، نَظَرا لتجربتي الطويلة في ميدان التربية، ولأن كأس الصبر قد فاض : الدروس الخصوصية وآثارُها السلبية على مستوى التعليم الذي لا يُنْْكِرُ أَحَد انَّهُ في تدهور ملحوظ، وكذلك على علاقة التلميذ بالمدرّس والمدرسة والإدارة ...وأعتقدُ أنه موضوع لا يَقِِلُّ أَهَميّة عن موضوع التنمية و العولمة والارتفاع المشط لأسعار المحروقات .
وقلت في نفسي هل أُسمّي المقال : "التلميذ والبقرة الحلوب" أو "كعكة الدروس الخصوصية والقسمة العادلة ".
ففضّلتُ العنوانَ الأَوّلَ للأنّ فيه استفزَاز ومَيْل إلَى المُدَاعَبَة، وأَنَا مَيَّالَة فِطْْرٍيّا إلَى الضحك والإْضحَاك كُلَّمََا كان المَوضوع خَطيرا ومُؤْلما ومُحْرِجا للبَعْض ومَسْكُوتا عنه لمدة طَويلة، والرّغبة في الضحك أصبحت منتشرة لان المُبْكِيات المُضْْحِكَات كَثُرت وحتى لا أتجنى على العنوان الثاني قرّرتُ أن يكون العُنصر الثاني من المقال .
الأولى تدرّ اللبن لكل من يعتني بها ويغذّيها على أحسن وجه، والثاني يدرّ المال لكلّ من يقدّم دروسا خاصّة جدّا حتى أن الأعداد تنتفخ كالضرعِ المَملوء حليبا وينتظر الحلب، أما الذكاء فقد أصبح خارقا ومعدلات النجاح في الباكالوريا وفي شهادة ختم الدروس الأساسية"خيالية"
تصوّر أخي القارئ أن الناجح الأول يبلغ معدّله 19.90 على عشرين. هذا المعدّل لم يكن يحلم به المترشحون للامتحانات القومية في السبعينات والثمانينات .
هل الساعات الإضافية التي أصابت الجميع بحمّى التسابق قد "عشعشت" التلاميذ بفيتامينات نفّاثة إلى هذا الحد الصّاروخي؟
الملفت للانتباه أن هذه النسب الهائلة في النجاح والارتفاع العجيب في المعدّلات، يوازيها في نفس الوقت إقرار بانحدار خطير في المستوى العلمي واللغوي لتلاميذ اليوم وطلاّب الغد...
أيّ تناقض هذا؟ هناك إحصائيات عالمية مفزعة عن مستوى التعليم والتربية في البلدان العربية التي ننتمي إليها، وهل يمكن أن يستقيم وضع امة إلاّ بالنهضة العلمية مثل ما وقع في ماليزيا واليابان وفنلندا وغيرها ؟
هل بلغ كرهنا لأوطاننا هذا الحد ؟ ورأي الأساتذة الجامعيين في مستوى الطلبة اليوم سواء من الناحية العلمية أو اللغوية دليل قاطع على أن هذه الساعات الإضافية التي يعاني منها التلاميذ بسبب كثرة ساعات الدراسة، والأولياء بسبب تفاقم المصاريف، غير مجدية.
هذه الساعات الزائدة ترمي إلى حشو الأدمغة قبيل الامتحانات لا غير، لأن التمارين التي يجريها التلميذ بمفرده بكل عناية سواء في ما يخص تكوينه العلمي أو الأدبي، كافية للرفع من مستواه وهي أجدى من الدروس التي يجريها أحيانا بعد السابعة مساء وهو في اشد حالات التعب والإرهاق، أوفي أمسيات السبت وأيام الأحد التي من المفروض أن يرفّه فيها عن نفسه ويجدد طاقاته .
يقول لك أستاذ الرياضيات أو الفيزياء بكل وثوق وإصرار : إن الساعات المخصّصة للدراسة في المعهد غير كافية لإتمام البرنامج أو لإجراء التمارين التطبيقية دون أن يذكر لك الهدف الحقيقي من الساعات الزائدة، وهو الترفيع من المقدرة الشرائية، بل هناك هوس لدى جلّ المربين مع الأسف الشديد بتجميع الثروات والممتلكات. وانضم إلى حلبة السباق أساتذة المواد الأدبية واللغات بأنواعها كالفلسفة والفرنسية وغيرها . والأمرُّ من ذلك أن الحرصَ على الإتقان والتميّز في أداء هذه المهنة، التي تُعدّ من أشرف المهن، ليس إرضاء الضمير والوصول بالتلاميذ إلى أعلى المستويات، بل اكتساب شهرة وإسم برّاق. فترتفع قيمة "أسهمه" في هذا السوق ويتهافت الجميع على دروسه "الخصوصية" من كل حدب وصوب، حتى إن شقيقي القاطن بالعاصمة ذكر لي أن ابنته، التى تجتاز هذه السنة امتحان الباكالوريا، تتكلّف مصاريف ساعاتها الزائدة شهريا : 500 د طوال السنة الدراسية .
لقد حاولت وزارة التربية والتكوين أن تقاوم الدروس الخاصّة جدّ،ا التي قد تصل إلى قدر مخيف من الانتهازية والاستغلال، وهي تلك الدروس التي تعطى خارج إطار الساعات الزائدة بالمعهد وقبيل الامتحان، وفيها ينتهك المربي شرف المهنة إذ يبيع مفاتيح الحل للامتحانات التي ستجرى بعيد ذلك، أو انه يضاعف من عدد الساعات قبيل الامتحان ليتلقى الثمن الشهري في مدة أسبوع واحد .....
أما عن الساعات الزائدة، التي تجري في المعهد، فالكل يرحّب بها، لأن الكل بما فيهم المدير والقيم العام أو المرشد التربوي والقيم لهم نصيب في الكعكة الشهيّة . وهكذا تُفْتحُ أبواب المعهد في أماسي السبت وحتى صباح الأَحد لِتَحْقِيقِ الهدف المرجو وتغلق كلّ الأبواب أمام الأَنْشِطة الثقافية .
وهكذا يتحوّل مكتب القيمين والمرشدين التربويين أماكن لتجميع المال من التلاميذ المساكين الذين يحتشدون في المكتب فيختلقون كل الأعذار عن تأخير الدفع الشهري مقابل دروس التدارك أمام إلحاح المسؤول عن جمع المال وبعد ذلك يوزّع على المستحقين "الساهرين" على التربية والتعليم .....
أرأيت كيف حادت المدارس والمعاهد عن دورها الأساسي ؟
كيف تريد من التلميذ اليوم أن يحترم المدرسة أو المدرس أو المدير أو المرشد التربوي إذا أصبحت علاقته بهم جميعا علاقة شبه تجارية، ويدرك جيدا حتى لاشعوريا انه ضحية ابتزاز !
وكيف نلوم التلميذ إذا احرق كتبه وأدواته أمام المعهد في نهاية كل عام دراسي، وقد انتشرت هذه الظاهرة بشكل يبعث على الحيرة، إنه تلميذ ذاق ذرعا بالدراسة والمدرسين والمؤسسة، ولأنه يقضّى أسبوعيا كلّ الأيام صباحا مساءا وحتى أيام الأحد والسبت أي حوالي 56 خمسين ساعة أسبوعيا بالدراسة وهناك ساعات خاصّة جدا تجري على ساعات متأخرة من اللّيل في أماكن مخصصة للغرض ؟
هذا الطفل أو المراهق هو إنسان، وكل إنسان بحاجة إلى الراحة يوميا وبحاجة إلى الترفيه عن نفسه وتصريف طاقاته البدنية والفكرية في مجالات غير الدراسة، لأنه ليس آلة صماء أو إنسان آلي نجلسه على كرسي لمدة 8 ساعات يوميا ليسمع على التاريخ والجغرافيا، التربية المدنية والعربية والرياضيات وعلو الأرض والحياة..... إلخ............ إلخ .......
متى سيمارس هوايته المفضلة كلعب الكرة او تعلّم العزف او ممارسة الرسم او الفن التشكيلي ؟
قالت لي والدة احد التلاميذ بالمعهد الذي اشتغل فيه وهي سوسرية متزوّجة من تونسي، ولها أربعة أبناء يزاولون تعلّمهم قي بلادنا بعد ان عاشوا مدة في سويسرا. الدروس تنتهي في أوروبا بصفة عامة على الساعة الثانية بعد الزوال وهكذا كان بإمكان ابني الأكبر مثلا من ممارسة هوايته المفضّلة، وهي كرة القدم، حصّتين أسبوعيا وهذا الترفيه الرياضي مفيد جدّا للأولاد إذ يجدد طاقاتهم ويمنحهم قدرة أكثر على التركيز، وكذلك تعلّم العزف على اللآلات الموسيقية. فقد ثبت علميا انه ينمّي الذكاء وقدرات الذاكرة، وهذا النظام معمول به في بعض البلدان العربية كمصر مثلا، إذ لا وجود لدروس بعد الظهر كما يقال هنا ك .
كيف يمكن لطفل أو مراهق أن يجلس على كرسي دون أن يحرّك بدنه لمدة 8 ساعات يوميا ؟
هل يعقل هذا أين علماء النفس وأخصّائيو بيداغوجيا الطفل والمراهق ؟
إن الحركة واللهو ضرورية في حياة أبنائنا ليصبحوا متوازنين وقادرين على الفهم والتركيز. فساعات الدراسة الطويلة، بالإضافة إلى الساعات الزائدة في المعهد، والساعات الخصوصية الخاصّة جدا، تقضي على أي رغبة في التركيز أو الفهم والاستيعاب وهكذا أصبحت جل أوقات الدروس الرسمية يقضيها التلميذ بسبب الضغوطات والكبت والاكتضاض داخل الأقسام والتعويل على الساعات الإضافية في اللهو والسخرية من أساتذتهم وجرّهم إلى مواقف مخجلة .....
حين يقول لك الأستاذ الجامعي اليوم أنه يتعامل مع طلبة شبه أميين لغويا وعلميا، لا تستغرب خاصة بعد تغيّر معايير النجاح في الباكالوريا.
لا تستغرب "لأن من يزرع الشوك يجن الجراح "
أميرة المصمودي
- 19/02/2010 - L’affaire de la Zone Bleue à Sfax : comment tourner la page ?
- 08/02/2010 - Foot et Facebook, contribueront-ils au développement de notre pays ?
- 28/01/2010 - Propreté des villes : Oui pour une mise à jour de la loi

Facebook
Twitter
Googlize this
Myspace
Yahoo





ولعل من مساوئ الساعات الخصوصية ان يصبح التلميذ كالرياضي الذي يتعاطى المنشطات لا يعرف حقا اقصى تحمله ولا قدرته على ممارسة معينة وهكذا تطاول بعض المتخلفين ذهنيا على شعب في الواقع لا يقدر على دراستها الا النوابغ او على الاقل من كان لهم حد ادنى من الذكاء.ولعل هذا الامر قد يعجل باستفحال ظاهرة الدروس الخصوصية في الجامعة و تحيى فلوس بابتي